هاشم معروف الحسني
88
سيرة الأئمة الاثني عشر ( ع )
وبلغ من جودها وسخائها أنها كانت تؤثر على نفسها وتعطي الفقراء قوتها الذي لا تملك سواه اقتداء بأبيها وبعلها وبخاصة بعد أن نزلت الآية ، وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ، والآية : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ . وقد روى المحدثون من سنّيين وشيعيّين عشرات الروايات في فضلها وكراماتها ، ومن غير المستبعد أن يكون للمحبين والقصاصين وغيرهم من الوضاعين دور في صنع البعض من تلك الفضائل والكرامات ، ولكن بعضها الآخر يكاد أن يكون من نوع المتواتر بمعناه إن لم يكن متواترا بلفظه . على أن تاريخها الحافل بالقيم والتضحيات في سبيل أبيها ورسالته التي جسدتها في سلوكها وأقوالها يغنينا عن التعلق بالغيبيات التي لا تتسع لها آفاق الكثير من الناس ولا يقوى على تحملها إلا من أوتي الحكمة وفصل الخطاب . لقد ظلت فاطمة الزهراء طيلة حياتها مع أبيها وزوجها الإمام وذابت في حبهما كما تذوب الشموع وكانت مستقرا للذرية الطاهرة التي انحدرت بمشيئة اللّه صانع المشيئات من نبي ووصي فأولدت لهما الحسن والحسين وقال فيهما جدهما هذان ولداي إمامان قاما أو قعدا وأدخلهما تحت كسائه مع أبيهما وأمهما فأنزل اللّه عليه ، إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً وأخبر الأمة بجميع أجيالها المتتالية إلى يوم البعث أنهما وأباهما وأمهما والأئمة الأطهار من ولد الحسين لن يفترقا عن القرآن ما دام على وجه الأرض أناس يقدسونه ويرددون آياته كما أولدت زينب وأم كلثوم . وأول مولود استقبله رسول اللّه من دوحة النبوة والإمامة سبطه الحسن ( ع ) في نصف رمضان من السنة الثالثة للهجرة فأقرّ به عين الزهراء ومحبيها وسعى البشير بنبأ ولادته إلى النبي ( ص ) فخفّ إليها يحدوه الشوق للنظر إلى مولوده الجديد الذي وجد فيه وفي أخيه الحسين الذي ولد بعده بأقل من عام سلوته عن ولديه اللذين استردهما اللّه إليه صغيرين قبل سن الفطام وتفتّح قلبه لهذين الحفيدين ورأى فيهما امتدادا لحياته على هذه الأرض ومنفسا لما يفيض به قلبه من عاطفة الأبوة بعد أن يئس من الأولاد بموت خديجة في حين أنه خلال